عقدة النقص وآلية التعويض

عقدة النقص وآلية التعويض

ان تفسير الظواهر النفسية التي تصدر عن الانسان لايمكن اخضاعها للتجريب المعملي دائماً،بل يمكن رصدها عبر سلوك الفرد وتكون حينئذ ملموسة بشكل فردي او جمعي،فعندما يفطن الناس لاية تصرفات تصدر انما هو رصد لهذه الظاهرة النفسية او تلك وهو صراع لاشعوري دفين اعتمل داخل الفرد وعايشه وبرز واضحاً في التعامل مع الآخر الذي ادركه مباشرة دون اللجوء الى مقاييس او اختبارات نفسية مقننة او غير مقننة او عبر ثقافية،هذا السلوك الذي نرصده وينطلق من البعض من الناس انما هو تعارض دينامي بين النزعات الداخلية في النفس،وهو نسق يضفي معنى على استجابات الفرد،اياً كانت ثقافته او انحداره او اصوله او تربيته،يلجأ لهذا السلوك القائد العسكري او السياسي او الكاتب او الشاعر او المثقف او الفنان او حتى الانسان البسيط او المتعلم ،فهو اذن تكوين نفسي داخلي يبرزه السلوك،وهو تكوين فرضي لانراه الا في الواقع حينما يتجسد فعلا وبشكله الواقعي.

 

يعَرف التعويض Compensation بأنه دافع فردي الى القوة او تأكيد الذات وهو يطالب بالتعويض عن وجود عائق في احد الجوانب من الشخصية بمحاولة التفوق في جوانب اخرى.ان جميع الناس آلف الحاجة اياً كان نوعها،الحاجة الى الامن مثلا،يفتقدها الانسان عندما يحدث الانفلات الامني وتهتز معايير المجتمع المتعارف عليها،حينها يشعر الفرد بالحاجة الى الامن وتصبح ضرورة لابد منها،حاجة ملحة لافراد المجتمع، وكذلك الحاجات الاخرى مثل الحاجة الى الانتماء،فعندما يشعر الفرد بأن وجوده يحتاج الى دعم معنوي فنراه يبحث عن الجماعة او الثلة او العشيرة او القبيلة ،وكذلك الحال بالنسبة للحاجة الى التعبير عن الذات وتوكيدها،وفيها تدفع الفرد الى الافصاح عن ذاته سواء كان هذا في عمل او موقف او حين التعبير عن الشخصية وتوكيدها واظهار ما لديه من امكانيات. وهنا تتعارض متطلبات الحاجة وما يمتلكه الفرد من قدرات فيلجأ الى التعويض لاكمال عقدة النقص التي يشعر بها تجاه نفسه وتجاه الاخرين لكي يثبت تقديره الاجتماعي ويستعيد الثقة بنفسه،فهي اذن آلية(حيلة)نفسية لاشعورية يلجأ اليها الفرد عند شعوره بالعجز في موقف معين،وسؤالنا:هل يميل الانسان نحو تعويض ذلك العجز ويحوله الى نجاح وتفوق في موقف آخر ام يفشل؟

 

ان لجوء بعضنا الى استخدام ميكانيزم(آلية)التعويض النفسي اللاشعورية هو لغرض تقليل وتخفيف حدة التوتر الناتج عن حالة الاحباط التي يتعرض لها ،وتسبب له عقدة النقص النفسية هذه اختلال في الاتزان النفسي الانفعالي ،فتارة يرى في نفسه انه اقل من الاخرين وتارة اخرى يحتاج الى الموقف الداعم لحاله او وضعه المالي ، ولكن تبقى هذه العقدة ملازمة له حتى وان امتلك المال والسلطة والمناصب ، لذا فمحاولةالفرد لتعويض ذلك النقص باي شكل من الاشكال المتاحة ،وسواء كان هذا النقص فعلياً او متوهماً وسواء كان جسمياً او نفسياً او معنويا او مادياً لذا يقول(د.علي كمال)التعويض محاولة لاشعورية للارتفاع الى المستوى الذي وضعه الانسان لنفسه،او الذي فرض عليه من علاقته بالاخرين.

 

اثبتت دراسات علم النفس ان الفرد المعوق بسبب عوقه الجسمي او قصر قامته او اعوجاج قامته قد يعوض ذلك النقص باحراز النجاح في مهنته بالتفوق في ممارسة حرفة معينة باجادة تامة او بالتفوق العلمي.

 

اما لدى الاطفال فتكون الية التعويض واضحة وحاجتهم كبيرة الى ذلك من خلال ميلهم للتعبير عن ذواتهم بالافراط في الحركة والنشاط وممارسة اللعب بانواعه والرسم وتقليدهم لحركات الكبار،فاذا ما منع الطفل من التعبير عن ما يدور بداخله،مال الى الخنوع والخضوع وفقد الرغبة في اثبات ذاته وتشكلت لديه اولى بوادر الاتكال والاعتماد،حيث يتكون الشعور بالنقص والخوف الشديد من التنافس مع الاخرين وبوادر فقدان الشهية المرضي ويرفض الطعام ويبكي كثيراً،فيلجأ الى تعويض هذا الانكسار النفسي الداخلي بمظاهر سلوكية مثل مص الاصابع او قرض الاظافر كبديل عن ثدي الام وهو يمثل الاشباع النفسي له.وما يهمنا في هذه السطور هو استخدام آلية التعويض لدى الكبار عند الشعور بالنقص فيقول علماء النفس ان هتلر وموسوليني وفرانكو وستالين كانوا على شاكلة نابليون من قصر القامة وانهم عمدوا الى تحصيل قوة الشخصية وجمع النفوذ السياسي في سلطتهم بعد ان عز عليهم ان يغيروا ما وهبتهم الطبيعة اياه من اجسام وقامات.وكان عالم النفس الشهير(الفرد ادلر)واضع اسس علم النفس الفردي من اكثر علماء النفس الذين درسوا عقدة النقص وايجاد بدائل عنها في التفوق واستخدام آلية الدفاع اللاشعوري "التعويض"ويقول ادلر بهذا الخصوص ان في انواع الاضطراب النفسي صوراً من التعويض عن الشعور الدفين بالنقص والفشل في التفوق..من هنا يمكننا القول ان التعويض هي محاولة الفرد الى الحاجة الكامنة للعطف والاهتمام والقبول من الاخرين،لان التعويض يأتي في كثير من الحالات سداً وملاً لهذا الشعور بالنقص بشكل ايجابي بناء،يعزز مكانة الفرد في ذاته وفي المجتمع،والتعويض ليس دائماً ايجابياً فصورته السلبية تقود الفرد الى الاضطرابات السلوكية المختلفة،ويقول(علي كمال)في حالات معينة قد يدفع الشعور بالنقص الى التعويض عنه بالمرض كوسيلة لجلب الاهتمام من الغير او السيطرة على حياتهم من ناحية اخرى.

 

تدلنا تجارب البشر العديدة في التعامل الاجتماعي والاحاسيس الداخلية على وقائع نفسية ضمنية قابلة لأن تصبح عقد نفسية ملازمة للفرد في تعامله بعد تراكمها وكبتها المستمر اذا لم تجد التنفيس والافراغ الملائم لها ويقول(سيجموند فرويد)ان الشعور تعبير وصفي خالص يصدق على اكثر المدركات المباشرة يقيناً،ولكن التجربة تدلنا على ان عنصراً نفسياً ما،كالتصور مثلا،ليس شعورياً على نحو دائم،وان ما يميز بالاحرى العناصرالنفسية اختفاء حالة الشعور عنها اختفاءاً سريعاً.وازاء ذلك فالتعويض الايجابي الناجح يؤدي الى الاشباع الآني والاحساس بالتفوق،وافضل وسيلة سيكولوجية لاستخدام آلية"ميكانيزم"الدفاع النفسي-التعويض-هو استبدال الموضوع من خلال عملية تسامي واعلاء ناجحة في السلوك والتصرف وايجاد المنافذ الواقعية التي تعيد الثقة بالنفس كما هو حال تحقيق الاشخاص المعوقين للميداليات الذهبية والفضية والبرونزية من خلال الرياضة الخاصة بهم او الانتاج المتميز في العديد من مجالات الحياة وخصوصاً الشعر والادب والعلوم،كذلك نلاحظ ايضا الافراد الذين يعانون من مشكلات اسرية حادة وفشل في العلاقات الزوجية الى انهم يلجأون الى ميكانيزم التعويض لتحقيق النجاح في مواقف العمل او الدراسة او الحرف اليدوية او الفنية،وقد يبالغ الشخص في التعويض ليثبت تفوقه وامتيازه في الموقف الذي اخفق او فشل فيه كنوع من الابدال ويرى(سيجموند فرويد)في التعويض عملية لاشعورية تهدف الى اخفاء الاتجاهات اللاشعورية التي لا يستسيغها الشعور بتقوية اتجاهات مضادة لها.

 

 



Add a Comment